الشنقيطي
86
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشاعر : ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا تقطر الدما وتقول في الوصف : أصبح جرحه داميا ، ومنه قول الراجز : نردّ أولالها على أخراها * نردّها دامية كلاها والتحقيق أن لامه أصلها ياء ، وقيل : أصلها واو وإنما أبدلت ياء في الماضي لتطرفها بعد الكسر ، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويّات اللام في الأصل ؛ لأنها من الرضوان والقوة والشجو . وقال بعضهم : الأصل فيه دمي بفتح الميم ، وقيل بإسكانها ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ 173 ] . لم يبين هنا سبب اضطراره ، ولم يبين المراد بالباغي والعادي ، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة ، وهي الجوع ، وهو قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ [ المائدة : 3 ] ، وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم ، وذلك في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ [ المائدة : 3 ] ، والمتجانف المائل ، ومنه قول الأعشى : تجانف عن حجر اليمامة ناقتي * وما قصدت من أهلها لسوائكا فيفهم من الآية أن الباغي والعادي ، كلاهما متجانف لإثم ، وهذا غاية ما يفهم منها . وقال بعض العلماء : الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين ، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام ، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين ، ويلحق بذلك كل سفر في معصية اللّه . اه . وقال بعض العلماء : إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره ، وعليه فهو كالتأكيد لقوله : فَمَنِ اضْطُرَّ . وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام ، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك ، ما لم يتوبا ، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك ، وإن لم يتوبا . ونقل القرطبي عن قتادة ، والحسن ، والربيع ، وابن زيد ، وعكرمة ، أن المعنى : غير باغ ، أي : في أكله فوق حاجته ، ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ، ويأكلها . ونقل أيضا عن السدي أن المعنى غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ، ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع .